مقارنة بين وضع العالم العربي واسرائيل اليوم
والعالم العربي في فترة الحروب الصليبية.
مريم عواد*
ليس بالامر السهل محاولة المقارنة بين وضع العالم العربي اليوم والعالم العربي عشية الحروب الصليبية واثناءها, خصوصا اذا اردنا التطرق للعلاقة التي سادت بين العالم العربي وبين الصليبين في العصور الوسطى بالمقارنة مع العلاقة السائدة اليوم ازاء دولة اسرائيل. لكن, وبالرغم من صعوبة المقارنة, الا اننا لا نستطيع الهرب منها, خصوصا لان وطأة الحروب الصليبية في الذاكرة الانسانية لكلا الحضارتين الشرقية والغربية ما زالت مهيمنة;وذلك من مصطلحات معينة التي نستعملها بلغتنا, او بسبب صراعات واقعية سياسية التي شهدها الشرق من احتلال وتقسيم الذي شنته الامبريالية الغربية او الأمركة الراسمالية الحالية التي نعيشها في بلداننا العربية والاسلامية.
كان العالم العربي عشية الحملات الصليبية (القرن الحادي عشر الميلادي) يعاني من تمزق سياسي وتناحر عسكري كبير وكانت تتصارع فيما بينها ثلاثة قوى سياسية: الدولة العباسية ومركزها في بغداد, الدولة الاموية ومركزها في قرطبة والدولة الفاطمية ومركزها القاهرة. تنازعت هذه القوى بينها على لقب الخلافة وادعت كل منها بان لها الحق بقيادة المسلمين دون الاخرين. ومما زاد من حدة التمزق بين امة العرب والمسلمين هو عندما فرض الفاطميون المذهب الشيعي على المناطق التي يحكموها وذلك كي يقللوا من هيمنة المذهب السني الذي كان سائدا في بقية انجاء العالم العربي.
لن اتطرق هنا للاسباب التي قام بها الاوروبيين في شن الحملات الصليبية للشرق ولكن ساكتفي بالذكر بان الحجة الاولى كانت استرداد القدس والاراضي المقدسة من المسلمين وقد انطلقت الحملة الصليبية الاولى كاستجابة لدعوة الامبراطور البيزنطي الاورثوذكسي الشرقي من قبل الامبراطورية اللاتينيه الجرمانية في الغرب والتي كانت تابعة للكنيسة البابوية في روما, للمساعدة في ايقاف الخطر السلجوقي من التوغل اكثر واكثر في بلاد اوروبا الغربية, والجدير بالذكر ان البابا اوربانوس الثاني والمسؤول عن شن الحملة الصليبية الاولى وذلك لانه راى بها فرصة في توحيد الكنسية تحت سلطة بابوية واحدة والتي مركزها روما اللاتينية.
بسبب انقسام العالم العربي في الفترة التي سبقت الحملات الصليبية وانشغالها في الصراع حول الخلافة, فلم يعيروا اية انتباه للعدو المشترك لديهم وهو الصليبيين او الافرنج كما سميوا بلسان العرب. لم يكترث اي من مراكز الخلافة الثلاثة في توحيد قواهم لمنع الصليبين من الاستيلاء على الاراضي العربية والمسلمة, ولم تكن اية وحدة بين اجزاء العالم العربي واستغرق زمنا طويلا في البحث عن طريقة لشن هجوم مضاد او للتفكير في كيفية استرجاع القدس التي سقطت بايدي الصليبيين في سنة 1099 ميلادي. بل والاكثر من ذلك فقد حاول البعض من الصليبيين الاستفادة من الانقسام بين المسلمين كي يستولوا على الاراضي العربية بطريقة اسهل. مثال على ذلك ما نصح به الكسيوس الاول الصليبيين بالتعاون مع الفاطميين (الشيعة) ضد عدوهم المشترك السلاجقة (السنه) كي يتمكنوا من السيطرة على البلاد بسهولة. اما الفاطميين من جهتهم فلم يشعروا بالخطر الصليبي واعتقدوا بانهم سيسيطروا على سوريا ولن يصلوا لفلسطين ولكن بعد فتره زمنية قصيرة نسبيا وصلوا بها الصليبيين للقدس وقاموا في احتلالها وقتل كل من كان داخل اسوارها بشكل وحشي وغير انساني.
ساعد العرب الوجود الصليبي في البلاد العربية والاسلامية اولا بسبب عدم وحدتهم ضد عدو مشترك, فكل من الخلافات الثلاثة التي تواجدت في ذات الوقت ارادت اثبات وجودها والعمل على ان تسقط الخلافات الاخرى ولم يعر اي منهم اهتمام للصليبيين بل كل منهم اعتقد بان من الممكن الاستعانة بالخطر الصليبي كي يقوم هو في اسقاط احدى الخلافات وبالتالي تسنح فرصة الفوز في هذا الصراع على لقب الخلافة.
الوحيد الذي استطاع توحيد العرب والمسلمين نحو هدف مشترك وهو دحض العدو الافرنجي من الاراضي العربي الاسلامية وخصوصا من مدينة القدس, كان القائد الاسطوري صلاح الدين الايوبي. فقد قام صلاح الدين في تأسيس تحالف بين شعب مصر, دمشق وشمال سوريا وحمل الناس مسؤولية الانضمام في جهاد ديني مسعاه التخلص من الاحتلال المسيحي للقدس, وهكذا فقام في شن الحرب ضد الصليبيين وقد استطاع في سنة 1187 في فتح مدينة القدس واستعادتها ليد المسلمين وذلك بعد ان هزم القوات الصليبية في موقعة حطين المشهورة.
لم تطل وحدة العرب بعد صلاح الدين الايوبي مما ادى الى انقسامات جديدة في الدولة الايوبية وصلت حدها الى ان قام حاكم مصر الكامل الايوبي وهو حفيد صلاح الدين في استدعاء الامبراطور الروماني الصليبي فريدريك الثاني للقدوم الى الشرق ومساعدته في صد اخاه اشرف وهو حاكم دمشق من الاستيلاء على الحكم. وقد لبى فريدريك الثاني طلب الكامل الايوبي وقدم الى الشرق وذلك لانه اراد الاستفادة من انقسام المسلمين ولينال الحكم على مدينة القدس وفقا للوعد الذي اعطاه اياه الكامل. وهذا ما حصل حقا وبضمن الحملة الصليبية السادسة والتي كانت اهدافها سياسية وليست دينية, والتي بسط من خلالها الامبراطور فريدريك سلطته على القدس باستثناء الحرم الشريف بين قبة الصخرة وساحة المسجد الاقصى, كما تم التخلى له عن بيت لحم شرط ان يسمح للمسلمين بالوصول اليها لاداء فريضة الصلاة.
وهكذا فنرى في تاريخ العالم العربي والاسلامي تارة شن حروب دامية ضد الصليبيين وتارة اخرى استقبالهم في البلاد بل وعقد اتفاقيات وعهد التي كانت من صالح الصليبيين وساعدتهم على البقاء في الاراضي العربية خصوصا في الساحل من صور شمالا لمدينة يافا جنوبا.
اما بالنسبة للعالم العربي اليوم فاعتقد اننا في حالة حرجة جدا من التاريخ. فنحن نظهر باننا نواكب عصرنا المتحضر من تكنولوجيا مستوردة من بلاد الغرب, ونبنى عمارات ذات الطراز الغربي من ناطحات سحاب بوسط الصحراء العربية, وبالرغم من ذلك فعقلنا لم يتحرر بعد من كدمات الماضي, وما زلنا نعاني من انقسامات وصراعات بين الدول العربية والاسلامية, كل منها محاولة للسيطرة على زمام الامور فيما يتعلق بالعرب والاسلام, وكل منها يريد ان يكون هو الحاكم الرئيسي للشرق العربي والمسلم. فلدينا من جهة واحدة كل من القوى الاتية: ايران, سوريا, قطر , حزب الله وحماس (بالدعم المعنوي ايضا من تركيا) ومن جهة اخرى القوى المضادة لها وهي: السعودية, مصر والدول العربية الاخرى. العالم العربي اليوم ما زال يعاني من صراعات داخلية التي تعود لمئات السنين السابقة من صراعات بين مذاهب مختلفة بالاسلام (شيعيه ام سنيه), وصراعات بين الدول العربية الاسلامية والدول الاسلاميه الاخرى, التي كل منها يحاول ان يبسط هيمنته على العالم العربي وثرواته الطبيعية. ما زلنا نعاني من صراع مركزي بين الحياة الدنيوية والحياة الدينية وكيفية التحكم في زمام الامور والسؤال الذي يطرح ذاته هل سيكون الدين الاسلامي مصدر الهام للدوله العربية المسلمه ام سيكون مصدر الاحكام جميعها وفقا للشريعة الاسلامية ومذهب من مذاهبها (ذات الصراع الذي دار ايضا بالعالم الغربي بين البابوية وبين الامبراطورية).
لا اعتقد ان المقارنة بين الاحتلال الصليبي للبلاد وبين قيام دولة اسرائيل هي مقارنة عادلة وذلك لان الاسباب التي قام به الغرب في شن حملاتهم ضد الشرق هي ليست ذات الاسباب التي قامت بسببها دولة اسرائيل. كما وان الظروف التي سببت قيام دولة اسرائيل ليست بالظروف ذاتها التي ادت للحملات الصليبية (واقصد هنا الحرب العالمية الثانية والخطر النازي). كما واني شخصيا اعتقد بان الدول الاوروبية ارادت التخلص من يهود اوروبا وذلك ما دفعها الالقاء بهم في ارض فلسطين (او الاصح الموافقة في تسليمهم الارض) دون الاكتراث للمصير الذي سيؤول لهم بصراعات مدميه مع العرب والمسلمين. هذه المقارنة هي مركبة وحساسة جدا وعلينا ان نقوم في التعلم اولا عن اسباب قيام دولة اسرائيل من عدة جوانب (الغرب والشرق) وذلك كي نستطيع ان نوفي في هذه المقارنة المعقدة. لاني اعلم بان اسباب قيام دولة اسرائيل كما اقيمت في نهاية الامر لم يكن فقط بسبب الغرب او اليهود بل كان سببه ايضا (وان لم يكن سببا مركزيا) هو الوضع الذي الت به كل المنطقه العربية والمسلمه في ذاك الفترة والتي كان اخرها سقوط الامبراطورية العثمانية والاعلان عن جمهورية تركيا على يد مصطفى كمال اتاتورك سنة 1924.
ولا يسعني الا ان انهي كتابتي باقتباس من كتاب "اوهام الاسلام السياسي" للكاتب عبد الوهاب المؤدب :" يعتبر سبينوزا في رسالة في اللاهوت والسياسة ان عافية ونجاة المدن تكمنان في ممارسة حرية التفكير, وفي التعبير عنها ونشرها وتوزيعها. ومن المؤكد ان من بين الاسباب التي جمدت مدننا غياب هذه الممارسة للحرية" واعتقد بان خوفنا من الاخر ان كان دولة اسرائيل وغيرها يكمن اولا بسبب عدم مواجهتنا لذاتنا وهويتنا الحضارية والثقافية التي توقفنا عن التجديد والابتكار والابداع بها...خوفا من الاتهام بالكفر, وخوفونا من الله ((الذي منحنا العقل للتسير والندبير واستطلاع الافق ولنكون اولاوقبل شئ احرارا)) وخوفونا من ومن ومن الكثير من العقد والخزعبلات التي ما زالت تحتل انفسنا اكثر من اي احتلال جغرافي اخر, وللاسف نسينا بان الاسلام ذاته قام اساسه على التجديد في العادات والتقاليد العربية الجاهلية التي زال وقتها ولذي استطاع ذات يوم ان يكون جامعة العالم، بل كان علماء ومثقفي العالم ذات يوم في العصر العباسي يتحدثون العربية ...وللاسف منذ ذاك الحين ما زلنا حتى يومنا هذا ننتظر التجديد الفكري والروحي لامتنا العربية والاسلامية قبل ان يفتها الاوان وخوفا من اندثارها للابد من هذا العالم.اذا فقدت القدرة على التفكير الحر الايجابي والبناء والمنطقي .
*
كاتبة واديبة ومرشدة اجتماعية فلسطينية - حيفا
Surfing the web just got more rewarding. Download the New Internet Explorer 8
--~--~---------~--~----~------------~-------~--~----~
(شبكة فلسطين ال 48 ) مجموعة اعلامية مستقلة منحازة للشعب والوطن ولهموم الانسان العربي في كل مكان.
تصدر في الداخل الفلسطيني عام 48 وتضم آلاف العناوين البريدية لكتاب ومثقفين وقراء من جميع انحاءالعالم.
تسعى لان تكون سباقة في طرح الرأي الحر والفكر النير والابداع الفذ.
ملاحظة:المقالات المرسلة تعبر عن رأي كاتبها وليس بالضرورة ان تعبر عن رأي المجموعة
لارسال كتاباتكم على البريد إلكتروني
palastain-48@googlegroups.com
سيتم النشر خلال 24 ساعة من استلام المادة
لإلغاء الاشتراك مباشرة وحذف عنوانك اضغط على الرابط التالي وقم بالارسال
palastain-48+unsubscribe@googlegroups.com
لزيارة المجموعة على
http://groups.google.com.sa/group/palastain-48?hl=ar?hl=ar
-~----------~----~----~----~------~----~------~--~---
No comments:
Post a Comment